الخميس، 24 يونيو 2021

 صرير ذاكرة ...

لا تسألني عن طفولتي 

فقد خلعتها منذ أن

 فقدت أبي...

 و لأنّي أخاف

 جرح براءتي

 حفرت أحداقي

 لأدفن ضعفي

 و أخرج من جلدي الطريّ

 حتّى يرى العالم

 امرأة قاسية

 عينها غابة محترقة

 جسدها بقايا ذاكرة

 بكت في أناملها الكلمات...

 لكنّها لا تبوح... 

أ تدري أنّي ...

مذ غاب عنّي...

 أسكن النار...

أكبر مشاعري معلقة

 بين حلقي و الصراخ 

جل الطرق محفورة 

تحت قدمي...

 حتى أنّي شربت

 سمّ ساعات الغياب

 لكنّي لم أمت... 

بل سافرت روحي 

حيث تولد الشمس

 من مغاربها ...

و ينجب الليل 

قمره مشوّها ...

 أ تدري أنّي...

 سكبت الظلام 

في فناجين الصبر 

و شربتها كلها

 كي يغمض الحزن

 جرحه لكنّه أبى ...

 كنت مثل الشجرة 

لا تتحدّث 

عن جناية الريح 

لكنّها تمد أغصانها 

للعصفور لتحتضن 

شهية النغم ...

 أنا آخر من يصل الفرح ...

 و أحتل عن جدارة

 المرتبة الأخيرة من البهجة ...

 تحصلت في قطار الحظ

على المقعد الآخير

 هشمه تدافع المسافرين...

 أخاف أن أمد يدي

 لاغواء الحروف

 فتعود خائبة...

 أنا التي أغراها الحلم

 بتفاصيله المجنونة 

فاندفعت إليه كطفلة 

حتى صفعني

 بقوة الخيبة و الخذلان ...

 أثاره مازالت تخدش

 قلبي الحزين ... 

و مازالت أذني

 تستمع إلى ناقوس

 الهزيمة السريعة

 التي أعلنت

 دون سابق إنذار

 إنتهاء فصل الغناء ... 

أذكر أنّي...

لم أهيئ قلبي

 لمثل هذا الإنقلاب

 و لم أرتب حروفي 

لألقي كلمة الختام ...

 أنا فقط التزمت الصمت

ما عدت أصدق 

ما تخبرني به القصائد 

و ما تعزفه لي الألحان...

 ما عدت أصدق

 إلا جراحي المرمية 

على شاطئ الذاكرة ...

 لا أملك القدرة 

على دفع النسيان... 

و لا طلب الصفح 

من موجه الغاضب ...

 أنا أضعف من أن

 ألتقط رسالة تلوح لي 

من سطح بوح جميل ...

 طوال السنين

 التي مكثت فيها

 قريبة من بوابة الكتمان 

كنت أشحذ الغفران لقلبي ...

 و أرسمني ظل شعور

 عزّ عليه الرجوع ... 

كنت أكتب لي 

نصوص صبر ...

 و أتوسد مدامعي 

خفية عن فضول العيون ...

 كنت أتحدى الشماتة 

بكف مفرغة ...

و أخدعني بكلمات 

قدت من رضا ... 

كنت أتوعد الجرح

 بإلتئام الأيام ...

و أظهر اللامبالاة

حين كنت في أوج الاهتمام ...

 كنت أقتل الحروف

 في السطور...

 و أعلق مشانق الإعتراف

 في ساحة تعبير شاسعة ... 

لأنّي اعتدت

 أن أكون وحيدة في معاركي...

 انتزعت عني الخوف ...

 و أعلنت انسحابي 

عندما رأيتهم يهوون بعدي ...

 أنا الوحيدة التي

 لا تتمنى أن يعود ماضيها 

و تعيشه بكل تفاصيله كل ليلة

 تسافر في خطوطه نهارا

 و تتلقى ضوءه كل صباح

 أنا الوحيدة التي 

لا تلتفت خلفها

 لكن قلبي عين ثالثة للوراء

 أنا التي عرى الحزن حياتها

 و انهمر من عيني

 ملحا ذائبا

 أنا التي تسير كلماتها 

عكس سطرها 

و تفيض من فواصلي 

عين دامعة ... 

أنا التي انغمست في حلقي

 آه لم تنطق 

و في وجهي

 شحب الحنين

 للغد الآسر ...

 أنا ... ضحكة طفولة بريئة

 مزقتها خناجر المغادرين ...

 انشقت في سماء الأحلام أمنياتي

 و شطبتها السحب السوداء

 مروا بقلبي فشطروه 

زرعوا الحلم في نفسي

 ثم أفسدوه 

علقوا على جداري المتصدع

 لوحة ضاحكة

 ثم خدشوها فتشوهت ...

 في قلبي صورة معلقة

 لغائب لن يعود...

 و أيام تترنح

 بخطوات ذكرى 

تأبى الرحيل...

 في قلبي جرح 

من زمن قديم 

يتلو مدامعي

 لآذان صماء 

و يحكي سري للريح

 فتشكوها للعابرين ...

 أنا التي انهزمت واقفة 

و ماتت في فؤادي قصة 

لم تتفطن للنور

 الذي خبأه قرص

 حظ عليل ...

 أنا ... قصيدة 

نسيها شاعر

 على أريكة

 انتظار قديمة 

و ورقة يانصيب 

رمتها أيدي القدر

 في قلب يهوى القمار 

ضفائر ليل تنساب 

على أكتاف مثقلة بالخذلان

 و قارب ذبح شراعه

 بحد الصامتين...

 أنا ... شجرة 

تنبت وحيدة 

على ضفاف الغياب

 و تبعثر ريح

 الحظ العاثر 

وريقاتي الوليدات 

نجمة تبحث 

في سماء داكنة 

عن وجه تلحف النسيان ...

 و قمر عرشه حطام ...

 أنا ... أكوام ذاكرة

 من قش تتكدس

 تحتها حجارة 

بيت قديم...

 و أوان معطب

 و مشاعر كثيرة مكسورة ...

 تبكي الطريق تحت قدمها ...

 امرأة لا تجيد النكران  ...

راوية شعيبي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 فن التجاهل  يقولون أن التجاهل نصف السعادة وأنا أقول أن في التجاهل سعادةً كاملةً.. لأن التجاهل لغة العظماء فهو فن لا يقدر عليه إلا ذوي الشخص...